الخميس، أكتوبر ١٩، ٢٠٠٦

فانوس الصين العظيم !!

عندما كان والدي يعيش سنين طفولته، كان يلهو مع أصدقائه من نفس العمر قبيل دخول شهر رمضان ومع حلول أيامه الأولى بفوانيس رمضان.. وفوانيس رمضان عادة فاطمية قديمة تعددت الروايات حول نشأتها، وبقيت عالقة في أذهان المصريين كواحدة من أبرز العادات والمظاهر الاحتفالية التي تصحب دخول شهر رمضان المعظم، وظلت عالقة في أيدي أطفالهم كلعبة مسلية، ومظهر من مظاهر البهجة والسرور بدخول هذا الشهر..

وكان هذا الفانوس الذي حمله والدي في زمن طفولته، كما أخبرني، لا يزيد على مصباح معدني من "الصفيح" بنوافذ زجاجية، تفتح إحداها لتوضع داخل هذا المصباح شمعة صغيرة تشتعل ليؤدي هذا المصباح أو الفانوس عمله ويحتفل الأطفال وهم يحملونه في الطرقات قبيل المغرب أو بعد الإفطار، ويدورون حول بعضهم البعض وهم يهزون الفوانيس المضيئة بأيديهم ويرددون عبارات مصرية قديمة بقيت على الألسنة حتى اليوم، حتى حفظناها نحن وحفظها أبناؤنا رغم كونها عبارات غير عربية: "حاللو يا حاللو.. رمضان كريم يا حاللو..." و "وحوي يا وحوي .. إي يوحا.. وكمان وحوي.. إي يوحا".. لم أفهم يوماً معنى تلك العبارة ولكنني كنت أرددها بسعادة حين كنت طفلاً في السابعة من عمري، وكذلك فعل أبي.. ولعلها مفارقة عجيبة، أننا نحن المصريون لا نزال نردد عبارات مبهمة بالنسبة إلينا لا نعي معناها، وإن كانت موروثة من لغات أجدادنا، لمجرد أنه حكم العادة الذي يسري علينا وعلى أبنائنا عبر الأجيال المتعاقبة.

كان هذا هو الفانوس الذي حمله أبي حين كان صغيراً، ولم تكن هناك من الإمكانات ما يتيح أفضل من ذلك، فالصين لم تكن بعد قد قامت من تحت ركام الحرب العالمية الثانية.. ولم تكن بعد قد تحولت إلى دولة صناعية كبرى تنتج الفوانيس..!

وعندما بدأت أنا أيضاً أمسك بالفوانيس وأحتفل وأغني مع أصدقائي وأنا طفل لم يبلغ عمره عشر سنوات، كان فانوس رمضان قد بدأ يتغير شكلاً وموضوعاً، فقد كانت جمهورية الصين الشعبية الحديثة قد بدأت تنفض عن نفسها غبار الحروب وتتنامى قوتها الاقتصادية والصناعية الناشئة، ورفعت رأسها تتطلع حولها في أرجاء العالم لترى ما يمكنها أن تقدمه من مصنوعات وبضائع رخيصة الثمن للناس الطيبين.. مثلي.. ومثل أبي !، وفي ذلك الوقت أصبحت فوانيس رمضان تأتي مستوردة من الصين، بتقنيات وأفكار جديدة لم يعهدها الفاطميون.. ولم يعهدها أبي !!.. صار الفانوس بلاستيكياً، وليس معدنياً، صار أخف وزناً أسهل حملاً، وأسهل كسراً كذلك..! واستبدلت الشمعة بداخله بـ"لمبة" صغيرة وزادت قاعدة المصباح حجماً لأنها صارت تعبأ ببطاريتين تعملان على إشعال اللمبة أو المصباح داخل الفانوس الرمضاني الصيني الجديد.. وجاء الفانوس إلى مصر بكل شكل وكل لون يمكن أن تطلق عليه فانوساً، وبدأت الفوانيس المعدنية محلية الصنع تتوارى أمام فانوس الصين شيئاً فشيئاً..

اليوم.. وبعد أن انقطع عهدي بالفوانيس دهراً، حتى صرت في التاسعة والعشرين وقد تزوجت وأنجبت فتاة تجاوز عمرها السنتين وصارت هي الأخرى في حاجة إلى "فانوس" مع قرب مقدم الشهر الجليل.. بدأت اتطلع من جديد إلى أصناف الفوانيس وأشكالها وألوانها، ولم أدهش حين رأيتها جميعاً تصميماً وصناعة صينية وتسويقاً صينياً أيضاً.. ولكن الجديد أن فانوس هذه الأيام لم يعد كفوانيس الأيام الخوالي التي حملتها وأنا صغير، وحملها أبي، وحملها الفاطميون كذلك..! فقد كنت أنا وأبي.. والفاطميين، نقوم بحمل الفانوس ونلوح به ونغني.. الآن.. لا حاجة للغناء، لأن الصين تمكنت "بطريقة ما" من معرفة لغة المصريين القدماء، وجعلت فوانيسها تغني من تلقاء نفسها وتقول: "وحوي يا وحوي"... ولم يعد مطلوباً من الطفل إلا أن يمسك الفانوس ويلوح به... دون أن يتكلم ويرهق نفسه بحفظ عبارات لا يفهمها..

وأخيراً، وليس آخيراً.. كان هذا واحداً من أعجب ما رأيت.. شيئاً يستحق بجدارة أن يقال فيه ما قاله الجبرتي في تاريخه "تحفة الإفرنج ومعجزتهم الباقية !" فانوس يضيئ، ويغني عدة أغانٍ.. ويرقص أيضاً.. نعم، يرقص.. صنعه الصينيون أيضاً.. ونزل إلى السوق المصرية يتمايل يميناً ويساراً.. فانوس مركب من قطعتين يربطهما مفصل يتحرك بمحرك كهربائي صغير فيرقص الفانوس ويهتز، ولا يكون ثمة من حاجة حتى لأن يحرك الطفل يده ليلوح بالفانوس.. فالفانوس يقوم عنه بكل الجهد الآن.. يضيئ.. يغني.. ويتحرك ويرقص في يد الطفل وهو يحمله..

شكراً للصناعة الصينية العظيمة.. التي وفرت على ابنتي كثيراً من الجهد في تحريك الفانوس والغناء ووفرت على بلادي جهداً أكثر وأكبر في دراسة سوقها المحلي، وتنمية صناعاتها وزيادة صادراتها..

لا شك أن الصين في يومنا هذا مدينةٌ بالكثير الكثير وبملايين الدولارات، للدولة الفاطمية التي قامت في مصر منذ ألف سنة واخترعت فانوس رمضان، ولشعب مصر الطيب وحكومته الطيبة التي حكمت مصر منذ خمسين سنة واشترت فانوس الصين العظيم.